الإنبجاس الكبير … الانتخابات الأخيرة لجيل الثورة الجزائرية

الجزائر _ الامم/الدكتور محمد بغداد :

يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 ، سيكون موعدا لنهاية مسيرة مشاركة جيل الثورة الجزائرية (المجاهدون وأبناء الشهداء) ، الذين يطلق عليهم في القاموس الجزائري الأسرة الثورية في الحياة السياسية، وبالذات فإن يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم هو تاريخ تنظيم الانتخابات المحلية، التي ستكون المحطة الأخيرة لهذا الجيل، لخوض غمار الصراع السياسي والمنافسة الحزبية، وهو الموعد الذي سيتم الغاء الشرعية التاريخية من المشهد السياسي الجزائري، ليتم تدشين مرحلة جديدة من البحث عن الشرعيات الجديدة، التي يفترض فيها أن تكون قادرة على تلبية متطلبات التاريخية، التى تفرضها التحولات العميقة التي يجري في أعماق المجتمع.

ثقل الماضي
في سنة 2012 ، أعلن رئيس الدولة أن جيل الثورة قد انتهى دوره في إدارة البلاد، وحكمها وطالب من المجتمع القيام بتلك الواجبات الاخلاقية تجاه هذا الجيل، لمكانته الرمزية في المخيال العام، وهو الإعلان الذي يكون قد مهد للحديث عن تلك المرحلة الجديدة، التى يفترض أن يكون النقاش العام، قد شرع فيها للبحث عن شرعية جديدة، تكون اساس للمنافسة الانتخابية، والمعيار الأهم في أحقية تولى القيادة في إدارة شؤون الناس، وتسيير مصالحهم والعمل على ترقيتها.
ولكن جيل الثورة التحريرية (الأسرة الثورية) ، يعتبر المجاهدون فيه أن شرف مشاركتهم في تحرير البلاد، والتضحيات التى قدموها في سبيل تخليص الجزائر، من الاستعمار الفرنسي الذي جثم على البلاد قربة قرن ونيف من الاعوام، ويعتبر أبناء الشهداء أن شهادة آبائهم في سبيل نيل الحرية، يجعل من هذه الأسرة الجهة المستأمنة على البلاد، ويعطيها حق تسيير شؤونها، وهو الخطاب المشهد السياسي، الذي ساد منذ الاستقلال، وفي الكثير من الاحيان كانت الخصومات السياسية والمنافسات الحزبية، يحسمها هذا الخطاب كونه المؤسس للشرعية التاريخية، ونيل الحقوق السياسية والظفر بالقيادة.
وهو نفس الخطاب الذي كان يمنح صكوك الغفران، للفشل الذي يحصل والإخفاق الذي ينتج جراء التسيير السيئ لشؤون الناس، خاصة في الفضاءات المحلية والمواقع الجغرافية الهامشية، التي يشكل خطاب الشرعية التاريخية، مركز الثقل فيها ويكون حضوره قويا، خاصة في المواعيد الانتخابية تكريسا للقاعدة (من أمن العقاب أساء الأدب) كان تنفيذها المخلص من كل مساءلة عن التقصير وسوء الادارة.
إن الوضعية الحالية، التي تؤكد كل المؤشرات أنها وضعية حرجة ومتحولة للمجموع الكلي للمجتمع، وما توفره التكنولوجيات الحديثة، بقدر ما تمنح الفرصة للتخلص من الشرور المتوقعة، إذا لم يتم الاسراع نحو التخلص من الصدام العنيف، الذي سيخلفه الفراغ بعد الانتخابات المحلية، من دعائم ومبررات الشرعية التى توفر الكثير من التكاليف الباهظة، إذا تم التغافل عنها أو اهدارها أو تجاوز متطلباتها أو الاستهتار بقيمها.

تبعات المؤسسة
كيف يمكن تصور مستوى وطبيعة النقاش السياسي والفكري، الذي سيتم الإعلان عنه بعد موعد تنظيم الانتخابات المحلية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، وهو الموعد الذي سيكون الانطلاق الحقيقية للمرحلة الجديدة، التي يخرج من الساحة السياسية والمشهد الحزبي، خطاب الشرعية التاريخية، ويبتعد عن المفاصلة القيادية والاستحقاق الانتخابي، ليأخذ مكانه الطبيعي كونه الرأسمال الرمزي الاجتماعي، وعندها سيفتح المجال أمام نقاش البحث عن الشرعية، التي يتم فيها انتاج اليات الصراع السياسي، وتنظيم المنافسة الحزبية، إلا أن تزاحم الأحداث وضيق الوقت أمام التحولات العميقة، التي يعرفها المجتمع ستكون ولادة قيصرية غير متناسبة مع التكاليف المتصورة.
وأول هذه التحديات تكمن في طبيعة ومفهوم المؤسسة السياسية القاعدية، التي ستنافس عليها المترشحون لقيادة شؤون البلاد، وإدارة مصالح الناس، وهي المؤسسة التي سيكون عليها الخروج من طقوس شرعية الخطاب التاريخي، إلى متطلبات المواطنة ومتطلباتها وتكاليفها، التي سيكون من الصعب تكمل تكاليفها نظرا لهيمنة خطاب الشرعية التاريخية، لمدة تجاوزت نصف قرن من الزمن، وما خلفه من آثار ومصالح وامتيازات لفئات اجتماعية، ليست مستعدة الآن للتنازل عن امتيازاتها، والقبول بقوانين المواطنة، وهي تعمل على الاستمرار في ممارسة سلطانها، وتبحث عن اليات مناسبة لذلك.
إن الانتخابات المحلية القادمة في الجزائر، خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، تعتبر معبرا مهما ليس للخطاب التاريخي والشرعية الثورية، وإنما للنخب الفكرية والسياسية، التى بإمكانها أن تسهل عبور المجتمع إلى المستقبل، الذي لا يتزاحم فيه الرأسمال الرمزي والمواطنة، بل يكون كل واحد منها قادر على اداء واجباته المطلوبة، عبر ما توفره هذه النخب من المسهلات الفكرية والآليات الميدانية، التى تجنب المجتمع احراج الأسئلة المحرجة، وتبعده عن الأزمات الخانقة.

نموذج المواطن
إن المشكلة التي ستطرحها الانتخابات المحلية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، ستكون في النموذج الجديد للمواطن، الذي اظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية الماضية، ومحصول المؤشرات الكلية للتصرفات العامة، أنه استكمل مرحلة التحول والتغير الذي أصبح له من الأولويات الحياتية والقناعات الفكرية والأساليب التعبيرية، ما يجعله قد تجاوز مرحلة الشرعية الثورية، وإن أقل الواجبات التي يقوم بها تجاه هذه الشرعية، الواجبات الاخلاقية دون أن يتجاوز ذلك إلى المستويات السياسية، والقبول بمعيار أن يكون الانتماء إلى الخطاب التاريخي الفيصل، في العلاقات السياسية والصراعات الحزبية.
في مقابل ممارسة قانون الطبيعة لمجراه، فإن جيل الشرعية التاريخية في تناقص عددي مستمر، إما بالموت أو التقدم في السن، ولكنه يمتلك من النفوذ والسطوة والاسبقية في إدارة الشؤون العامة، في المقابل لذلك هو تكاثر جيل جديد فاقد للنفوذ والسلطة السياسية الادارية، ولكنه يبتعد يوميا عن هيمنة ايدولوجيا الشرعية التاريخية، ولكنه لا يتخلى عن الطقوس الاخلاقية، في تقديم التقدير والتقديس للمضمون الكلي لهذا الجيل، ولكنه جيل يمتلك التقنيات التكنولوجية الحديثة، التي يعتبرها الوسيلة الكفيلة بالاسبقية عن الايدولوجيا، التي يمثلها الخطاب الذي تحملها الشرعية التاريخية، ما يجعلها في مواجهة ذلك المواطن المتسلح بالتكنولوجيات الاتصالية، التي تجعله يتجاوز كل شرعيات مهما أوغلت في التقديس وبالغت في التضحيات، وتوفر له الكثير من الحاجات التي يعتبرها أقدس حقوقه المشروعة، والتي يعادي من أجلها كل الشرعيات الاخرى.

أزمة الديمقراطية
عندما يغادر جيل الأسرة الثورية المشهد، ويتم الغاء الشرعية التاريخية، تكون الممارسة الديمقراطية في الجزائر، قد دخلت النفق المظلم والامتحان الشديد، كون الفراغ الذي سيتركه هذا الجيل، سيكون كبيرا وضاغطا، ليس لكونه قد انجزه ما يشرفه أو يمكنه الدفاع عنه، وليس لعدم وجود الراغبين في رحيله، أو المدافعين عنه وهم يتكاثرون يوميا، ولكن المشكلة تكمن في عدم انجاز الشرعيات البديلة، التي تمتلك القدرة الكافية والمناسبة التى تلبي الحاجات المطلوبة، في زمن التحولات الكبرى الجارية في المجتمع.
إن مشكلة رحيل جيل الأسرة الثورية عن الصراع السياسي، سيكون محطة الكشف عن حقيقة النخب السياسية الممارسة والعالمة، فكلاهما سيكون موعد إعلان الفشل في ايجاد الأرضية المناسبة، التي تقوم عليها مشاريع علمية أو ميدانية، تكون قادرة على التفكير في بناء شرعيات بديلة، لأن هذه النخب بقيت لأكثر من نصف قرن، وهي تدور في تلك الكهوف التي تعيد فيها ترديد شعارات ميتة، أو تلقن في أفكار وهمية، ولكن في نفس الوقت كانت تحصد من الريوع، ما يناسب سطوتها ونفوذ مواقعها، ولكن سرعان ما داهمها الزمن وقهرها قانون الطبيعة، فوجدت نفسها في مواجهة الفراغ الكبير، الذي سيكون موعد انبجاسه بعد تنظيم الانتخابات المحلية القادمة.

اترك رد